• الموقع : سماحة السيد جعفر مرتضى العاملي .
        • القسم الرئيسي : المؤلفات .
              • القسم الفرعي : المقالات والأبحاث .
                    • الموضوع : خلاصة بحث صراع الحرية .

خلاصة بحث صراع الحرية

بسمه تعالى

وله الحمد، والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين.

هناك سؤال يطرح نفسه، يقول:

لماذا كان المفيد صريحاً جداً في معالجته لبعض القضايا الحساسة، حتى أحفظت صراحته الكثيرين، وآذت مشاعرهم؟

وقبل أن نجيب على هذا السؤال، نلقي نظرة عابرة على الفترة الزمنية التي عاشها المفيد، لنتعرف على حجم المعاناة التي خاضها رحمه الله وهو يواجه الاضطهاد المر، الذي يهدف إلى وأد حرية الفكر، وحرية التعبير عنه، خصوصاً فيما يرتبط بأهل البيت عليهم السلام، وقضاياهم، والارتباط العاطفي بهم بصورة عامة.

فإذا لاحظنا الفترة التي عاشها رحمه الله، وهي ما بين عام 337 وعام 413ﻫ فسنجدها زاخرة بالأحداث، حافلة بالبلايا والرزايا على الشيعة، لاسيما شيعة بغداد في محلتي الكرخ، وباب الطاق. حيث إنه في معظم هذه السنين كانت تشن الهجمات عليهم، لاسيما في يومي عاشوراء، وعيد الغدير، ويتعرضون للقتل، والحرق، والنهب ولغير ذلك من مصائب ونوائب.

نقول هذا إسنتاداً إلى ما سجله لنا المؤرخون الحاقدون على الشيعة، حيث نجدهم يصرحون أو يلمحون في أكثر تلك الأحداث إلى ان الشيعة كانوا هم الضحية، وأن الآخرين هم المعتدون.

وقد تعرض المفيد (رحمه الله) نفسه بسبب التعصب المذهبي ضده وضد طائفته لكثير من الإهانات وواجه العديد من المشكلات، ونفي من بلده أكثر من مرة. دون مبرر ظاهر، إلا الظلم له والتجني عليه. وكانت السلطات الحاكمة نفسها تشارك أحياناً في هذا الاضطهاد بصورة مباشرة، بل قد تصدر المراسيم لتشريع ذلك ثم تباشر تنفيذه.

وواضح: أن هذا الاضطهاد لا يمكن تبريره بنصب العداء منهم لعلي، وأهل بيته، أو المناصرة ليزيد وشيعته، فإن ذلك يصادم التوجه العام ـ ولو على مستوى الطرح ـ لأولئك الناس الذين كانوا يرتكبون تلك الجرائم والعظائم..

بل إن المبرر الحقيقي لذلك هو أن الشيعة كانوا لا يعترفون بشرعية خلافة من عدا علياً عليه السلام، ويقيمون على ذلك عشرات الأدلة القاطعة من الكتاب والسنة الثابتة لدى جميع المسلمين.

ولكن الاستناد إلى هذا الأمر كمبرر لارتكاب تلك الجرائم كان يسبب حرجاً كبيراً لعلماء تلك الطائفة، وللسياسيين والحكام. فكان رأس الحرية هو الاتهام بسِّب الصحابة أو بعضهم، وهو الأمر الذي لم يكن مستساغاً عند الشيعة انطلاقاً من تأديب أئمتهم، ومنعهم لهم من السب. كما هو معلوم من كلماتهم ومواقفهم.

وقد كان على الشيخ المفيد أن يتصدى للدفاع عن الحق والحقيقة بشجاعة وصراحة وحزم، فاقتحم ساحة الصراع العلمي والفكري، تماماً كما فعل أسلافه ثم الذين جاؤا بعده وقال كلمته، مدعمة بالأدلة القاطعة والبراهين الساطعة، حتى لم يبق عذراً لمعتذر، ولا حيلة لمتطلب، فقادهم عجزهم عن مجاراته، إلى اعتماد أسلوب السباب والشتم، والتشهير والتزوير، والاتهام، بل، ومواجهته بالقبيح، وكان ما كان مما عاناه من نفي وتشريد، وعاين ما يحل بأهل نحلته من مصائب وبلايا ونكبات ورزايا.

وعدا ما تقدم، فإننا نشير هنا إلى ما يلي:

1 ـ إن التزام عالم ما من فرقة ما برأي أدى إليه اجتهاده. ولنفترض أن هذا الرأي يخالف رأي سائر علماء تلك الفرقة ـ إن ذلك ـ كما لا يخرج ذلك العالم عن انتسابه إلى تلك الطائفة، فإنه لا يبرر نسبة ذلك الرأي إلى الفرقة التي هو منها بأسرها، لأن المجتهد قد يخالف غيره وقد يوافقه، وهو وحده يتحمل مسؤولية ما يذهب إليه، بحسب ما توفر لديه من أدلة وشواهد.

بل نجد: أن بعض الفرق التي تلتزم بالتقليد، وأوصدت باب الاجتهاد، قد ذهب بعض علمائها إلى أقوال شاذة وتافهة إلى درجة مخجلة، ولم يدعهم ذلك إلى التبري من ذلك العالم، ولا نسب أحد ذلك الرأي إلى تلك الفرقة بأسرها.

2 ـ إن آراء الشيخ المفيد ليست شاذة، ولا موهونة، لأنه قد تعامل مع القضايا من موقع الفكر، والحجة، والمنطق. والآخرون هم الذين واجهوه باللامنطق، وبالسباب والشتم، وبالاتهام والتجني. وشتان ما بينهما.

3 ـ إن البعض قد ألزموا أنفسهم تجاه أشخاص، وتجاه قضايا بما لم يقبله منهم الآخرون، ثم بدأوا يمارسون ضغوطاً، وحتى ارهاباً لمنع أولئك الذين لا يوافقونهم في الرأي، ولا يلتزمون بما ألزموا هم أنفسهم به لمنعهم من إبداء آرائهم بالطريقة العلمية والموضوعية، بحجة أن ذلك يؤذيهم، وينال من مقدساتهم، وكانت رأس الحربة للتوصل إلى ذلك المنع هو اعتبار ذلك سباً وإهانة لها.

وليس ذلك إلا من أجل تغطية عجزهم عن مواجهة الحجة بالحجة، ومقارعة الدليل بالدليل، ومحاولة لخنق حرية الرأي، وحرية معالجة القضايا بطريقة علمية وموضوعية.

4 ـ ألف ـ هناك أقوال ومواقف تجاه النبي، وتجاه عدد من الصحابة المعروفين، قد صدرت من أناس يوافقونهم في النهج والمسلك، لو صدر عشر معشارها من الشيعة لاستأصلوهم واستحلوا دماءهم.

ولكنهم لم يحركوا ساكناً تجاه موافقيهم في المشرب والاتجاه.

فلاحظ مثلاً قول البعض عن النبي: إنه يهجر، لمجرد أنه (ص) قد طلب دواةً وكتفاً ليكتب لهم كتاباً يحفظهم من الضلال.

ثم قول أحدهم: أنا زميل محمد. رداً على مؤاخذته لتشريع بعض الأحكام.

وجاء أحدهم إلى الخليفة بكتاب من رسول الله، فأخذه ووضعه تحت قدمه، وقال: ما هو إلا ملك انصرف. (تاريخ المدينة لابن شبة ج1 ص596) كما ويرون: أن معاوية قد أقسم على دفن ذكر النبي(ص).

ب: وإذا كان علي من الصحابة، بل هو أفضلهم وسيدهم، فيكف استحلوا الرواية عن من ينصب له العداء، بل وحتى عن عمران بن حطان، مادح ابن ملجم لقتله علياً (عليه السلام). بل لقد اعتبر بعضهم قاتل علي وقاتل عمار من المجتهدين المأجورين. مع أنهما ليسا بصحابيين. هذا وقد روى أصحاب الصحاح الست عن الفأفاء الذي يقال: إنه كان ينشد الخليفة الأموي الأشعار التي هجى بها المصطفى(ص).

هذا كله.. عدا عن أن خير القرون وأهله هم السلف الصالح المقتدى بهم كما يدعون وهو القرن الأول للهجرة كان حافلاً بسبب علي عليه السلام طيلة عشرات السنين على عشران الألوف من المنابر في بلاد الإسلام.

مع اتخاذ يوم عاشوراء يوم فرح وسرور في نفس ذلك القرن، ومن قبل نفس أولئك السلف. الصالح!!. ولم يوجب ذلك خللاً في وثاقتهم ـ بنظر هؤلاء الناس ـ مع أنهم ليسوا من الصحابة الذين يزعمون عدالتهم أجمعين.

وقد استمر التجريح بأئمة أهل البيت عليهم السلام، علي والحسن، والحسين، والإمام الصادق إلى أيامنا هذه، ولم نجد من المدعين للدفاع عن الصحابة، ما يصلح أن يُعَدّ موقفاً حازماً في نطاق إدانة ذلك ورفضه، ومقاومته. ولكنهم لا يزالون يعتبرون إظهار الحزن لاستشهاد الحسين(ع) وصبحه، وإظهار الولاء لعلي (عليه السلام) في يوم الغدير. جريمة نكراء، وبدعة شنعاء، يستحق فاعلها القتل، والتدمير بأي ثمن كان.

ج: أما تكفير وتضليل ولعن الصحابة بعضهم بعضاً، فذلك حدث عنه ولا حرج.

د: وأخيراً.. فإن كثيرين من غير الصحابة قد اجترؤا على الصحابة وتناولوهم بالكلام الجارح والمهين. فالمأمون يصف بعض الصحابة الكبار بالملحدين. ويصف الخليفة الثاني عمر بن الخطاب بـ "جُعل". ويأمر بالنداء ببراءة الذمة ممن يذكر معاوية بخير.

وعبد الرزاق الصنعاني، الذي يصفونه بـ "شيخ الإسلام، ومحدث الوقت"، وهو أستاذ الإمام أحمد، وابن معين و.. والخ يهاجم عمر بن الخطاب، ويتناول عثمان بن عفان، ويكره أن يقذر مجلسه بذكر معاوية.

كما ان عبيد الله بن موسى العبسي وهو من كبار شيوخ البخاري كان ينال من معاوية، ولا يرضى بان يحدث أحداً اسمه معاوية. والإمام النسائي ـ صاحب السنن ـ، وهو أحد الصحاح الستة قد استشهد من ضرب اهل الشام له، لأنه حدثهم بحديث النبي (ص) عن معاوية: لا أشبع الله له بطناً. وكان يقع في خصوم علي، كمعاوية وعمرو وأمثال ذلك كثير.

فإذا كان ما فعله الشيعة والمفيد وهو لم يتعد البحث العلمي الهادئ والموضوعي والصريح قد اعتبره البعض سباً للصحابة، وإهانة لهم، رغم معرفتهم بأن الشيعة ملتزمون بما أدبهم به القرآن والإسلام من رفض هذا الأسلوب والتجافي عنه، والمنع منه.

فلماذا يسكتون عن هذا السب الصريح الصادر من المأمون، وعبد الرزاق، وغيرهما، ويسكتون عن سب ولعن أمير المؤمنين عشرات السنين في عهد الصحابة، والتابعين. وتثور حفيظتهم للمناقشة العلمية بشرعية خلافة بعض الخلفاء، أو في عدالتهم، ويعتبرون ذلك سباً يستحق فاعله العذاب الأليم، والعقاب العظيم ؟!

5 ـ ولنفترض جدلاً: أن جاهلاً تفوه بما لا يحسن التفوه به، فهل إن ما فعله هذا الجاهل يقتصر على أهل هذا المذهب أو ذاك، ألا يوجد جهال، بل علماء ينصبون العداء لعلي وأهل بيته، ويوسعونهم سباً وشتماً، وافتراءاً ؟!

بل إن الكثيرين لا يتورعون عن الجرأة حتى على الذات الإلهية، ولا نجد هؤلاء الغيارى على الصحابة والخلفاء(!!) يغضبون، أو يهتزون لذلك!!

وآخر ما نقوله هنا هو: إن هذه الازدواجية الظالمة في التعامل، والتي لا تستند إلى أساس، لا من حيث ذاتها، ولا من حيث مبرراتها. تعطينا: أن القضية ليست هي قضية سب أو إهانة لأحد، فإن ذلك لا واقع له من الأساس، وإنما هي قضية حرية الفكر والاعتقاد، والتعبير التي يريد هؤلاء الناس خنقها، والقضاء عليها بأية وسيلة كانت، بعد أن عجزوا عن مقابلة الحجة بالحجة، والدليل بالدليل، بالأسلوب العلمي والموضوعي، والمهذب والنزيه.

وقد قاوم الشيخ المفيد وناضل، وضحى في سبيل هذه الحرية بالذات، ومن أجل القيم والمثل العليا، رحم الله هذا الرجل الفذ، وحيا فيه هذه الروح الكبيرة، ورحم جميع العلماء العاملين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين.

جعفر مرتضى العاملي


  • المصدر : http://www.al-ameli.com/edara/subject.php?id=165
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2014 / 02 / 06
  • تاريخ الطباعة : 2020 / 04 / 6