||   الموقع باللغة الفارسية   ||   شرح وتفسير بعض الأحاديث..   ||   لقد تم افتتاح الموقع أمام الزوار الكرام بتاريخ: 28/جمادی الأولی/ 1435 هـ.ق 1393/01/10 هـ.ش 2014/03/30 م   ||   السلام عليكم ورحمة الله.. أهلاً وسهلا بكم في موقع سماحة السيد جعفر مرتضى العاملي.. نود إعلامكم أن الموقع قيد التحديث المستمر فترقبوا المزيد يومياً..   ||  



الصفحة الرئيسية

السيرة الذاتية

أخبار النشاطات والمتابعات

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

المؤلفات

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

الأسئلة والأجوبة

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

التوجيهات والإرشادات

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

الحوارات

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

النتاجات العلمية والفكرية

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

الدروس

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

الصور والتسجيلات

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

مركز نشر وترجمة المؤلفات

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

مختارات

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

مركز الطباعة والنشر

شريط الصور


  • الغدير والمعارضون لبنان جديد
  • الشهادة الثالثة
  • ابن عربي سني متعصب غلاف
  • رد الشمس لعلي
  • شبهات يهودي
  • سياسة الحرب غلاف
  • ظلامة ابي طالب غلاف
  • ظلامة ام كلثوم
  • زواج المتعة
  • الولاية التشريعية
  • كربلا فوق الشبهات جديد
  • علي ويوشع
  • طريق الحق
  • توضيح الواضحات
  • دراسات وبحوث في التاريخ والإسلام ط ايران
  • تخطيط المدن في الإسلام
  • تفسير سورة الماعون
  • تفسير سورة الكوثر (التاريخ العربي)
  • تفسير سورة هل أتى
  • تفسير سورة الناس(التاريخ العربي)
  • تفسير سورة الكوثر
  • تفسير سورة الفاتحة (التاريخ العربي)
  • السوق في ضل الدولة الإسلامية
  • سنابل المجد
  • سلمان الفارسي في مواجهة التحدي
  • الصحيح من سيرة الإمام علي ج 3
  • الصحيح من سيرة الإمام علي
  • صفوة الصحيح فارسي
  • رد الشمس لعلي
  • كربلاء فوق الشبهات
  • اكذوبتان حول الشريف الرضي
  • منطلقات البحث العلمي
  • مختصر مفيد
  • المقابلة بالمثل
  • ميزان الحق ط 1
  • ميزان الحق (موضوعي)
  • موقف الإمام علي (عليه السلام) في الحديبية
  • المراسم والمواسم _ إيراني
  • المواسم والمراسم
  • مقالات ودراسات
  • مأساة الزهراء غلاف
  • مأساة الزهراء مجلد
  • لماذا كتاب مأساة الزهراء (عليها السلام)؟!
  • لست بفوق أن أخطئ
  •  خسائر الحرب وتعويضاتها
  • علي عليه السلام والخوارج
  • ظاهرة القارونية
  • كربلاء فوق الشبهات
  • حقوق الحيوان
  • الحاخام المهزوم
  • الحياة السياسية للإمام الجواد
  • الحياة السياسية للإمام الحسن ع سيرة
  • الحياة السياسية للإمام الحسن ع
  • الحياة السياسية للإمام الحسن ع ايران
  • الحياة السياسية للإمام الرضا ع
  • إدارة الحرمين الشريفين
  • ابن عباس ـ ايران
  • ابن عربي سني متعصب
  • ابن عباس وأموال البصرة
  • دراسة في علامات الظهور مجلد
  • بلغة الآمل
  • براءة آدم (ع)
  • بنات النبي أم ربائبه غلاف
  • بنات النبي أم ربائبه
  • عرفت معنى الشفاعة
  • الصحيح1
  • الصحيح 2
  • الصحيح8
  • الجزيرة الخضراء
  • الجزيرة الخضراء
  • الصحيح
  • الغدير والمعارضون لبنان
  • الغدير والمعارضون
  • الأداب الطيبة المركز
  • الآداب الطبية في الإسلام
  • البنات ربائب
  • علامات الظهور
  • علامات الظهور قديم
  • أحيو امرنا
  • أهل البيت في آية التطهير
  • افلا تذكرون
  • ابوذر
  •  بنات النبي (صلى الله عليه وآله) أم ربائبه؟!
  • الإمام علي والنبي يوشع
  • براءة آدم (ع)
  • الغدير والمعارضون
  • الإمام علي والخوارج
  • منطلقات البحت العلمي
  • مأساة الزهراء عليها السلام

خدمات

  • الصفحة الرئيسية
  • أرشيف المواضيع
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • أضف الموقع للمفضلة
  • إتصل بنا



  • القسم الرئيسي : المؤلفات .

        • القسم الفرعي : الكتب .

              • الموضوع : أكذوبتان حول الشريف الرضي .

أكذوبتان حول الشريف الرضي

اكذوبتان حول الشريف الرضي

/صفحة 1/

 جعفر مرتضى العاملي

 اكذوبتان حول الشريف الرضي

 التقي الزاهد

 استدلال ودراسة

1406 هـ. ق. قم المقدسة ـ إيران

/صفحة 2/

/صفحة 3/ 

اكذوبتان..

حول الشريف الرضي

التقي الزاهد

/صفحة 4/

الطبعة الثالثة: 1423هـ. ـ 2002م.

ـــــــــــــــ/صفحة 5/

تقديم:

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين، واللعنة على أعذائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.

وبعد..

فقد سنحت لي الفرصة للبحث حول أمرين يرتبطان بالشريف الرضي رحمه الله تعالى..

وقد يرىالبعض: أنه يمكن تأجيل البحث في موضوعات كهذه إلى فرصة أخرى.. بل لا ضرورة للإشتغال في بحث أمور ترتبط بالأشخاص، والأفراد، من أجل توفير الفرصة الى ما هو أهم وأولى..

ولكننا نرى: أن هذا الرأي لا يملك ما يكفي لتوفير الحد الأدنى من الإقناع لدى العلماء والباحثين، الذين يرون كيف تمتد الأيدي المشبوهة لتتلاعب ولتشوه الحقائق، ولطمس معالم الشخصية الفكرية والقيادية للكثيرين من الذين يتحول الارتباط بهم من حالة فكرية الى حالة تنطلق من اعماق الوجدان،

/صفحة 6/

وتغدوها العاطفة..

فتشويه المعالم الحية والنبيلة في الشخصية الفكرية القيادية وزعزعتها، ثم تدمير العلاقة الروحية والفكرية، والعاطفية بين تلك الشخصية وبين الآخرين ينشأ عنه ان يصبح التعامل لهؤلاء مع تلك الشخصية جافاً وجامداً، ورياضياً اكثر مما هو تعامل يزخر بالمعاني السامية، وتحركه حرارة العاطفة، وتهيمن عليه روح الحب، والود والصفاء..

واذن.. فلا يكون البحث عن احوال، واتجاهات وسلوك بعض الشخصيات التي تسمو الى مستوى القدوة والاسوة ـ لايكون ـ ترفاً فكرياً، يراد منه اشباع غريزة حب الإستطلاع، ولا أثر له على الصعيد الفكري والعقيدي، والسلوكي.

وانما يكون خطوة وأساسية على طريق تركيز الربط والعلاقة الروحية والفكرية على اسس صحيحة، وقوية، وثابتةبين التابعين والسابقين، من اجل تجسيد المثل الأعلى، وتوضيح معالم الشخصية التي تسمو حتى تصل الى مستوى القدوة والأسوة..

ومن هذا المنطلق بالذات كانت دراستنا لبعض ما يرتبط بشخصية الشريف الرضي رحمه الله.. وتوضيح صحة أو زيف بعض ما ينسب إليه رضوان الله تعالى عليه..

/صفحة 7/

وعلى أمل أن يفيد ذلك في خدمة الدين والحق..

والله هو الموفق، وهو الهادي إلى سواء السبيل..

قم المقدسة

جعفر مرتضى العاملي


/صفحة 8/

 

تمهيد:

الشريف الرضي.. هو ذلك الرجل العظيم، الذي يمتلك الشخصية الفذة، التي يعنو لها كل عظماء التاريخ الذين جاؤا بعده بالاجلال والاكبار، وكانت ولاتزال تستأثر منهم، ومن كل مفكر ونيقد بأسمى آيات التعظيم والتكريم، حيث يجدون فيها كل الخصائص الانسانية النبيلة، التي تملأ نفوسهم، وتنبهر بها عقولهم، وتعنو لها ضمائرهم..

ولعل من يسبر ثنايا التاريخ لايكاد يعثر على أي مغمز أو هنات في شخصية هذا الرجل العملاق على الاطلاق، بل على العكس من ذلك تماماً.. فإنك مهما قرأت عن حياة هذا الرجل، فإنك لن تجد إلا آيات المدح والثناء، والمزيد من الاعجاب والاطراء، من محبيه ومناوئيه على حد سواء.

إلا أننا ـ مع ذلك ـ لا نستطيع أن نولي هذا التاريخ كل الثقة،

/صفحة 9/

ولا أن نمنحه كل الطمأنينة.. فلعل.. وعسى.. وقد.. ولربما.

فما علينا إلا أن ندرس التاريخ ونصوصه دراسة مستوعبة وشاملة، من شأنها أن تقضي على كل أمل بالعثور على المزيد مما له مساس بهذه الشخصية أو بتلك..

كما أن علينا أن نهتم بكل صغيرة وكبيرة، وأن لا نعتبر هذا تافهاً، وذاك ثميناً، إلا بعد البحث والتمحيص والتدقيق والمعاناة.. فالتافه ما أثبت البحث تفاهته، وكذبه وزوره، والثمين ما استمد قيمته من صدقه، ومن واقعيته، وذلك هو ما يثبت أصالته وجدارته أيضاً.. شرط أن لا يفوتنا ملاحظة الدوافع والأجواء التي شجعت أصحاب المطامع والأهواء على ارتكاب جريمة الوضع والاختلاق والتزوير والتجني، فإن لذلك أهمية خاصة في أية دراسة تريد أن تكون مثمرة ونافعة، وبناءة، كما هو معلوم لدى كل أحد..

وبالنسبة للشريف الرضي رضوان الله تعالى عليه، فإنه لم يسلم أيضاً من سهام الدس والتزوير، والافتراء,, رغم أن البحث المستقصى قد أثبت عظمته وجدارته، وأبان بما لا يقبل الشك عن نبله، وسمو نفسه، وعن كرائم أخلاقه، وحميد خصاله، وجميل فعاله..

نعم.. لم يسلم السيد الشريف، من سهام الحقد والضغينة،

/صفحة 10/

ولا كان في منأى عن الدساسين والوضاعين.. حيث نجد فيما بين أيدينا نصين متميزين وغريبين في نفسهما، مما اضطرنا لخوض غمار البحث، من أجل إثارة الكوامن، وتسليط الاضواء الكاشفة، لينكشف زيف الزائف، ويبطل خداع السراب.

 

ـــــــــــــــ

 

/صفحة 11/

الأكذوبة الاولى:

 

هل كان الشريف الرضي

 

زيديا ؟ !

ـــــــــــــــ

 /صفحة 12/

/صفحة 13/

اتهام ابن عنبة:

قال ابن عنبة:

«ووجدت في بعض الكتب أن الرضي كان زيدي المذهب، وأنه كان يرى أنه أحق من قريش بالامامة»(1).

مناقشة النص:

ونقول: إن ذلك لا يصح، فإن كونه رحمه الله إماميا أشهر من النار على المنار، ومن الشمس في رابعة النهار.. ووضوح ذلك لا يحتاج إلى حد : أنه لا يحتاج إلى بيان، ولا إلى إقامة برهان..

ومع ذلك، فإننا نشير إلى ما يلي:

1ـ قال السيوطي، عن والد الشريف الرضي، في كتابه: حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة:

«.. كان الشريف أبو أحمد، سيداً عظيماً، مطاعاً، وكانت

ــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) عمدة الطالب: 210، وروضات الجنات: 548.

/صفحة 14/

هيبته أشد هيبة، ومنزلته أرفع المنازل. ولقبه بـ: «الطاهر» و «الأوحد» و «ذوي المناقب» وكانت فيه كل الخصال الحسنة، إلا أنه كان رافضياً هو وأولاده، على مذهب القوم..»(1).

2ـ بل لقد كان هو وأبوه، وأخوه من رؤساء الشيعة، قال ابن تغرى بردى: «.. عالي الهمة متديناً، إلا أنه كان على مذهب القوم، إماماً للشيعة، هو، وأبوه، وأخوه.. »(2).

وواضح: أنه يقصد كونه إماماً للشيعة الاثني عشرية الإمامية، الذين كانوا يعيشون في بغداد، ولاسيما في محلة الكرخ المشهورة، وكان الشريف، وأبوه، وأخوه من كبار الشخصيات التي قامت بدورها هام في الدفاع عن هؤلاء الشيعة والحفاظ عليهم في الفتن التي كان تحصل بينهم وبين غيرهم وكذلك قامت بالدور القوي والفاعل في نشر وترسيخ هذا المذهب..

 

3ـ ومما يؤيد إمامياً: أنه ألف في حداثة شبابه كتاباً في خصائص الأئمة الاثني عشر عليهم السلام، ولكنه لم يتمه (3).

ــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مجلة تراثنا، السنة الأولى العدد الخامس، ص265، مقال للشيخ هادي الأميني.

(2) النجوم الزاهرة، ج4 ص240.

(3) نهج البلاغة، الشريف الرضي، ج1 ص2 وص54 من نفس=

/صفحة 15/

4ـ كما أن مما يؤيد ذلك أنه قد ذكر قبور الأئمة الاثني عشر عليهم السلام، في قصيدته البائية، التي منها:

سقى الله المدينة من محل               لباب الماء، والنطف العذاب

وجاد على البقيع وساكنيه               رخى الذيل، ملان الوطاب

وأعلام الغرى وما استباحت             معالمها من الحسب اللباب

وقبر بالطفوف يضم شلواً               .. إلى آخر القصيدة(1).

5ـ وقال الدكتور عبد الفتاح الحلو: وربما أكد نسبة الرضي إلى الإمامية قوله في مخاطبة بني أمية:

بني أمية ما الأسياف نائمة              عن ساهر في أقاصي الأرض موتور

فهو يعني الإمام الثاني عشر المنتظر، إن لم يكن يعني نفسه(2).

ــــــــــــــــــــــــــــــ

= النهج وديوان الشريف الرضي، مقدمة الدكتور عبد الفتاح الحلو، ص43 و ص99، وراجع أيضاً روضات الجنات، ص548. وإيضاح المكنون في الذيل على كشف الظنون، ج3 ص430، ورجال النجاشي، ص398 وعمدة الطالب، ص207 والدرجات الرفيعة، ص467 والغدير، ج4 ص198 وثمة مصادر أخرى فراجع مقدمة الحلو لديوان الشريف، ص99 ـ 101.

(1) تراثنا [مجلة] السنة الأولى، العدد الخامس، ص266، مقال للشيخ محمد هادي الأميني.

(2) ديوان الشريف الرضي، مقدمة الدكتور الحاو، ص43.

/صفحة 16/

6ـ ويؤيد ذلك أنه رحمه الله قد ذكر الأئمة الاثني عشر في قصيدته الأخرى، المشهورة، التي قالها وهو بالحائر الحسيني، والتي مطلعها:

كربلا لازلت كربـاً وبـلا             ما لقي عندك آل المصطفى

إلى أن قال:

معشر منهم رسول الله والكا             شف للكرب إذا الكرب عـرا

صهره البـاذل عنـه نفسه             وحسام الله فـي يـوم الوغى

أول الناس إلى الداعي الذي             لم يقـدم غيـره لمـا دعـا

ثم سبطـاه الشـهيدان فـذا             بحسي السـم وهـذا بالظبـا

وعلي وابنه الباقـروالصـا             دق القـول،وموسى والرضا

وعلــي، وأبـوه وابنـه              والـذي ينتـظر القـوم غدا

يا جـبال المجد عزا وعـلا            وبدور الأرض نـوراً وسـنا

هل هذه القصيدة منحولة؟!

هذا.. وقد حكم البعض على هذه القصيدة، أو احتمل كونها منحولة، وليست من شعر الشريف الرضي رحمه الله تعالى، وإنما دسها عليه بعض الإمامية. ثم استدلوا على ذلك بقولهم:

لما فيها من العقائد، والليونة، التي لا توائم نفس الشريف

/صفحة 17/

 

ــــــــــــــــــــــــــــــ

 

 

/صفحة 18/

نسأل الله سبحانه أن يوفقنا لسداد الرأي، وخلوص العمل. وهو ولينا، وهو الهادي إلى الرشاد والسداد.

جعفر مرتضى العاملي

1/أيلول/1996م

/صفحة 19/

الخطأ في فهم النصوص:

إننا حين نقرأ نصوصاً كتبها أو قالها غيرنا، فقد نفهمها على حقيقتها، ونقف على المراد منها، كما لو كنا نحن الذين كتبناها أو قلناها، وقد نقع في الخطأ في ذلك.

ويتمثل هذا الخطأ في عدة حالات: فقد يتمثل في مجانبة الحقيقة إلى غيرها بصورة كاملة أحياناً، أو جزئية أحياناً أخرى، وذلك بسبب القصور عن نيل المراد من النص، أو لأي سبب آخر ينشأ عنه ذلك.

وقد يظهر هذا الخطأ بصورة تضخيم المراد، وتجاوزه إلى غيره، إلى درجة لا تقل في خطورتها وسوئها عن مجانبة المعنى نفسه، والابتعاد عنه إلى غيره.

/صفحة 20/

وقد يتجلى ذلك فيما نجده لدى البعض من إصرار على الأخذ بحرفية جانب من النص، والإباء الشديد عن الأخذ بنظر الاعتبار ما يكتنفه من حدود وقيود، وذلك رغبة منه في تأكيد معنى أو مفهوم يسعى إلى تأكيده وترسيخه في الأذهان بصورة خفية وذكية.

وعدا عن جميع ذلك فإننا نجد لدى آخرين اهتماماً بالموارد المتشابهة، التي يحتاج فهمها إلى الرجوع إلى الراسخين في العلم من أهل بيت العصمة عليهم السلام، فيحاول هؤلاء إثارتها بصورة عشوائية ليغرقوا الناس في بحر من الشبهات التي تبعدهم عن الهدى وتصدهم عن الرشد. وهذا هو الأسلوب الذي يتبعه أهل الزيغ، ومثيروا الفتنة، الذين جاءت الإدانة الصريحة لهم في كتاب الله سبحانه حيث يقول:

 

(منه آيات محكمات هن أم الكتاب، وأخر متشابهات. فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة، وابتغاء تأويله، وما يعلم تأويله إلا الله

/صفحة 21/

والراسخون في العلم، يقولون: آمنا به كل من عند ربنا. وما يتذكر إلا أولوا الألباب)(1)

وقد جاءت النصوص العديدة لتؤكد على أن في الحديث الشريف أيضاً ـ كما في القرآن ـ ناسخاً ومنسوخاً، ومحكماً ومتشابهاً، وخاصاً وعاماً.(2)

وثمة فريق آخر من الناس ما أسهل عليه أن يبادر إلى رفض النص، والحكم عليه بالتحريف تارة، وبالتزوير والاختلاق أخرى، وبإظهار البراءة من عهدته بأسلوب إثارة الشبهة في ثبوته ثالثة أو يتجنب الإجابة الصريحة بأسلوب التقليل من أهمية النص الوارد عن المعصوم، حين يقول: هذا علم لا ينفع من علمه ولا يضر من جهله (!!!) ـ إنه يفعل ذلك ـ لأنه عجز عن تبريره وتوجيهه، وفقاً للنهج الذي ارتضاه لنفسه غير ملتفت إلى

ــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة آل عمران الآية 7.

(2) راجع: الكافي ج1 ص63ـ65 والأربعون حديثاً للبهائي ص147ـ150.

/صفحة 22/

أن قصوره هذا لا يبرر له التشكيك بثبوت النص، أو بسلامته من التحريف.

وإنما قلنا: «وفقاً للنهج الذي ارتضاه لنفسه»؛ لإدراكنا: أن كثيراً من النصوص القرآنية والحديثية الواردة عن المعصومين يحتاج فهم المراد منها إلى الاعتماد على خلفيات فكرية، وسوابق ذهنية، من شأنها أن تتحكم في مسارها، وتحدد نقطة الانطلاق والارتكاز منها وفيها. وتخرجهاـ من ثم ـ عن دائرة الإجمال والترديد، لتضعها في دائرة الوضوح والتعين والتحديد.

كما أن هذه الخلفيات تساعد على معرفة الحدود التي ينتهي إليها ويقف عندها النص، وتفصح عن امتداداته وغاياته؛ فتحصنه عن القصور والتقصير في شموليته وانحساره على حد سواء.

فإذا كان ثمة خلل أو نقص في تلك الخلفيات فلسوف يؤثر ذلك على فهم النص بصورة سليمة وقويمة.

وأما رد الروايات بالاحتمالات العقلية، فهو غير

/صفحة 23/

صحيح ولا مقبول. إلا إذا صادمت الرواية الحكم العقلي القاطع والصريح.

مثال على ما تقدم:

ونحن نشير هنا إلى واحد من هذه النصوص التي ربما يقف عندها أو يتحير فيها، أو يخطئ بعض الناس في فهم المراد منها…للأسباب المختلفة التي أشير إلى بعضها، أو يستغل درجة الدقة والغموض فيها، وهو النص التالي:

«عن علي بن الحسن المؤدب، عن احمد بن محمد بن خالد، وأحمد بن محمد، عن علي بن الحسن التيمي، جميعاً عن إسماعيل بن مهران، قال: حدثني عبد الله بن الحارث، عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال:

خطب أمير المؤمنين الناس بصفين ـ وذكر خطبته ـ فكان مما قاله (عليه السلام):

«فلا تكلموني بما تُكلَّم به الجبابرة، ولا تتحفّظوا مني بما يُتحفّظ به عند أهل البادرة، ولا تخالطوني

/صفحة 24/

بالمصانعة،(1) ولا تظنوا بي استثقالاً في حق قيل لي. ولا التماس اعظام لنفسي لما لا يصلح لي؛ فإنه من استثقل الحق أن يقال له، أو العدل أن يعرض عليه، كان العمل بهما أثقل عليه.

فلا تكفوا عني مقالةً بحق، أو مشورةً بعدلٍ، فاني لست ـ في نفسي ـ بفوق [ما] أن أُخطئ، ولا آمن ذلك من فعلي، إلا أن يكفي الله من نفسي ما هو أملك به مني؛ فإنما أنا وأنتم عبيد مملوكون»(2)الخ.

الطعن الخفي، والذكي:

وقد اعتبر البعض: أن هذا النص يكاد يكون صريح الدلالة على إمكان وقوع الخطأ من المعصوم (عليه السلام)، ولتلطيف الجو قد يقال لك:

ــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) البادرة: الحدة والمصانعة: الرشوة.

(2) محمد بن يعقوب الكليني، الكافي ج8 ص293 وبحار الأنوار، للعلامة المجلسي ج27 ص253 وج41ص154وج74 ص358/359، ونهج البلاغة ص245 ط دار التعارف، بيروت.

/صفحة 25/

«ولكنه الخطأ غير المتعمد الذي لا يوجب عقوبة، ولا بعداً عن الساحة الإلهية، ولا يعد من الذنوب، لا من كبيرها، ولا من صغيرها».

وقد قال المعتزلي الشافعي:

«هذا اعتراف منه (عليه السلام) بعدم العصمة، فإما أن يكون الكلام على ظاهره أو يكون قاله على سبيل هضم النفس، كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله: «ولا أنا إلا أن يتداركني الله برحمته». انتهى.(1)

ــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) شرح نهج البلاغة ج11 ص107 و108 والحديث عنه (صلى الله عليه وآله) يوجد في المصادر التالية، بحار الأنوار ج7 ص11 ومسند أحمد بن حنبل ط دار إحياء التراث العربي سنة 1414 هـ ق. ج3 ص305 و230 و236 و17 و260 و270 و308 و452 وج 4 ص336 وج2 ص467 و505 و519 و613 ومجمع البيان ط سنة 1412 هـ. دار إحياء التراث العربي ج3 ص352 وقال: رواه الحسن في تفسيره وجامع الأصول ج1 ص212ـ215 عن البخاري ومسلم وصحيح البخاري ج8 ص176 و177 ط المكتبة الثقافية ـ بيروت وصحيح مسلم ط دار إحياء التراث العربي ج4 ص2169 ـ 2171 وسنن ألد ارمي ج2 ص396 ط دار الكتاب العربي سنة 1407 هـ ق. وسنن ابن ماجة [بشرح السندي] ج2 ص550 ط دار الجيل ـ بيروت.

/صفحة 26/

رأي الشيعة:

أما الشيعة، فيقولون: إن النبي والإمام معصومان عن الذنب، وعن السهو والنسيان، والخطأ، عمدياً كان أو غير عمدي، في التبليغ وفي غيره(1). وتدل على ذلك الروايات(2).

والعصمة هي لطف رباني، ورعاية وتسديد إلهي شامل، أين منها ملكة العدالة في عمقها وقوتها ورسوخها. ولا يمكن تجزئة الملكة، ليكون معصوماً هنا عن الخطأ غير معصوم عنه هناك.

ــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) راجع على سبيل المثال: أنوار الولاية ص 567 ط سنة 1409 هـ ق. تأليف: زين العابدين الكلبايكاني، المتوفى سنة 1289 هـ ق. وراجع: الفخر الرازي، التفسير الكبير. ج10 ص144 والأصول العامة للفقه المقارن ص159 عنه وعبقات الأنوار ج2 ص291 /292 عن الرازي أيضاً. وراجع: دلائل الصدق ج2 مبحث العصمة والتنبيه بالمعلوم من البرهان على تنزيه المعصوم عن السهو والنسيان ص10 و12 و13 و14 و45ـ54 عن الفاضل المقداد والبهائي وعن الشهيد في الذكرى والبيان.

(2) راجع: التنبيه بالمعلوم من البرهان ص 26ـ44.

/صفحة 27/

وكيف يمكن أن نتصور الخطأ والسهو في من هو أسوة وقدوة في كل حركاته وسكناته حتى في أخص شؤونه وحالاته، وفي كل ما يمكن أن يصدر عنه حتى في أدق التفاصيل في حياته الشخصية؟!. فمن يخطئ كيف يكون أسوة وقدوة؟، وقوله وفعله وتقريره حجة ودليل على حكم الإباحة على الأقل؟.

وعلى هذا الأساس، يصبح فهم قول الإمام (عليه السلام): «لست ـ في نفسي ـ بفوق أن أخطئ» صعباً ومعضلاً، بحسب النظرة السطحية وفي بادئ الأمر.

فهل لهذا الكلام وجه وجيه ومقبول؟!

أم لا بد من الحكم عليه بالبطلان، وتكذيب نسبته إليه (عليه السلام)، لمخالفته بديهيات المذهب ثم ضرورات العقل والوجدان الحي؟!

أم أن الأصوب هو الحكم عليه بأنه قد حرف بزيادة أو نقيصة، لا نملك تحديدها؟!

/صفحة 28/

أم أن الأولى هو الاعتراف بالعجز التام عن فهم مغزاه ومرماه، وإيكال أمره ـ من ثم ـ من أهله، فانهم عليهم السلام أعرف بمقاصدهم، وأعلم بمرامي كلامهم؟!

سؤال، أو أسئلة تطرح نفسها، وتتطّلب منا الإجابة عنها بإنصاف وبموضوعية وأناة.

أي ذلك أقرب وأصوب:

ونقول في الجواب:

إن هناك أكثر من إجابة على هذه الشبهة، وللقارئ أن يختار منها ما هو أولى وأقرب، وأصح وأصوب، مما هو أوفق بالمعايير الصحيحة، التي يفترض فيها أن تكون هي التي تتحكم بطريقة التعامل مع النصوص، ومع الأفكار التي يريد الإنسان أن يتبناها، وأن يلتزم ويلزم الآخرين بها.

 

ونذكر من هذه الإجابات ما يلي:

1ـ هضم النفس والتواضع:

لقد أشار البعض، كابن أبي الحديد المعتزلي،

/صفحة 29/

ومحمد بن إسماعيل المازندراني الخواجوئي وأوضحه العلامة محمد باقر المجلسي رحمه الله؛ إلى أنه (عليه السلام) قد قال مقالته تلك على سبيل هضم النفس، والانقطاع إلى الله، والتواضع، الباعث لهم على الانبساط بقول الحق، وعدِّ نفسه من المقصرين في مقام العبودية، والإقرار بأن عصمته من نعمه تعالى عليه.

وليس أنه اعتراف بعدم العصمة كما تُوُهِّم، بل ليست العصمة إلا ذلك، فإنها هي أن يعصم الله تعالى العبد عن ارتكاب المعاصي(1). وقد أشار (عليه السلام) إلى ذلك بقوله: إلا أن يكفي الله.

ويؤكد صحة هذا التوجيه: أنه (عليه السلام) قد قال هذه الكلمات في حرب صفين. ولم يكن العراقيون آنئذ

ــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) راجع فيما تقدم: مرآة العقول ج26 ص527 و528 وشرح نهج البلاغة لابن ميثم ج4 ص48 وراجع: شرح نهج البلاغة للمعتزلي الشافعي ج11 ص107 و108 وقد تقدمت عبارته. وراجع أيضاً، مفتاح الفلاح للخواجوئي ص129 وراجع ص226.

/صفحة 30/

يعتقدون بإمامته وعصمته (عليه السلام)، فيما عدا بعض الأفراد القليلين منهم.

واستشهد الخواجوئي لذلك بما روي عن علي (عليه السلام): «ألم تعلموا: أن لله عباداً أسكتتهم خشيته من غير عيّ ولا بكم، وإنهم لفصحاء العقلاء الألباء العالمون بالله وأيامه، ولكنهم إذا ذكروا عظمة الله انكسرت ألسنتهم، وانقطعت أفئدتهم، وطاشت عقولهم، وتاهت حلومهم، إعزازاً لله وإعظاماً وإجلالاً. فإذا أفاقوا من ذلك استبقوا إلى الله بالأعمال الزاكية، يعدون أنفسهم مع الظالمين والخاطئين، وإنهم براء من المقصرين والمفرطين، إلا أنهم لا يرضون بالقليل»(1) الخ.

2ـ لولا العصمة الإلهية لكان الخطأ:

وقد يجاب عن ذلك بطريقة أخرى لا تختلف عن سابقتها من حيث النتيجة، وإن كانت تفترق عنها من

ــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مفتاح الفلاح ص226.

/صفحة 31/

حيث استبعاد عنصر التواضع وهضم النفس. فيقال: إن الإمام قد تحدث عن نفسه بغض النظر عن العصمة التي هي لطف الهي، وتسديد وتوفيق، وهبة ورعاية ربانية لمن تطلب ذلك وسعى إليه. أي أنه (عليه السلام) يريد أن يقول: لولا العصمة الإلهية لوقعت في الخطأ.

فإنه (عليه السلام) قد نظر إلى نفسه الإنسانية بما لها من خصائص ومزايا ومواصفات اقتضتها الطبيعة البشرية، والتكوين الإنساني. فهو بهذه التركيبة، وبغض النظر عن اللطف والرعاية والعصمة الإلهية ليس بفوق أن يخطئ. ولذا قال: «فإنني لست في نفسي بفوق» فكلمة «في نفسي» تشير إلى أنه يتحدث عن نفسه بغض النظر عن اللطف الإلهي والعصمة الربانية.

فهو (عليه السلام) بشر كالنبي (صلى الله عليه وآله) وكيوسف، وإبراهيم ونوح وغيرهم، فلو أوكلهم الله إلى أنفسهم، وحجب عنهم رحمته وتسديده، وابتعدوا عن لطفه تعالى ورعايته وعصمته فإنهم ليسوا بفوق أن يخطئوا.

/صفحة 32/

وهذا هو نفس ما أشار إليه النبي (صلى الله عليه وآله) في كلمته التي نقلها عنه المعتزلي الشافعي فيما سبق.

وهي قوله (صلى الله عليه وآله): لا، إلا أن يتداركني الله برحمة منه.

ثم ذكر ذلك أمير المؤمنين (عليه السلام) في كلماته التي هي مورد البحث بقوله: «إلا أن يكفي الله».

وقد يكون مراد الخواجوئي ما يقرب من هذا حين قال: «إن المعصوم لما كان في قالب بشري، وجلباب ناسوتي وكانت له قوى حيوانية متجاذبة، متداعية إلى الشر والضر شارفت أن تسول له المعصية والجرأة»(1). لا أن ذلك قد وقع منه بالفعل بل اللطف الإلهي بالعصمة يكون مانعاً من ذلك.

3ـ التعليم:

وثمة إجابة ثالثة يمكن أن تراود أذهان البعض، وهي

ــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مفتاح الفلاح ص129.

/صفحة 33/

أنه (عليه السلام) يريد أن يعلَّم الناس كيف يتعاملون مع الحكام الذين سوف يلون رقابهم، ويتسلطون على الأمة بغير حق، ـ يريد أن يعلمهم ـ بطريقة لا تثير حفيظة أحد، ولا شكوك هذا أو ذاك بأنه (عليه السلام) يريد بكلامه هذا التعريض بهذا الحاكم أو ذاك ممن سبقوه، وعرف الناس حالهم وطريقتهم.

إنه (عليه السلام) يريد أن يقول للناس: إن سلطان الحاكم لا يجوز أن يمنعهم من مواجهته بالحق، ومطالبته بالعدل والعمل به، والالتزام بخط الشريعة والدين. وإلا فإن عليهم أن يصنفوه في عداد الجبابرة ومن أهل البادرة.

فإذا كان علي (عليه السلام) الذي هو الإمام المنصوص على إمامته، وقد نص الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) على أنه مع الحق، والحق معه، ونصّت آية التطهير ودلت الأدلة العقلية والنقلية المتواترة على

/صفحة 34/

عصمته عن الخطأ والزلل ـ إذا كان علي (عليه السلام) ـ يريد من رعيته أن ينفتحوا عليه إلى هذا الحد، فما بالك إذا كان راعيهم من أولئك الذين ليس لهم صفة الإمامة المنصوصة، ولا عصمة لهم بل هم لا يؤمنون على شيء ولا يتورعون عن ارتكاب العظائم، من الجرائم والمآثم ؛ فإن رصد حركة هؤلاء، ومراقبة تصرفاتهم أولى وأوجب، ومطالبتهم بالتزام العدل والاستقامة ألزم وأصوب.

وقد ألمح (عليه السلام) إلى طريقة أولئك المنحرفين، الذين هذه حالهم، وتلك صفاتهم، حين قال في نفس كلامه المتقدم: «فلا تكلموني بما تكلم به الجبابرة، ولا تتحفظوا مني بما يتحفظ به عند أهل البادرة».

ثم قدم لهم معياراً وضابطة مهمة جداً ليتعرفوا من خلالها على طبيعة ومزايا هذا النوع من البشر، ليتخذوا منهم الموقف الحازم والحاسم إذا اقتضى الأمر ذلك،

/صفحة 35/

فقال: «فإن من استثقل الحق أن يقال له، أو العدل أن يعرض عليه، كان العمل بهما أثقل عليه».

كما أنه (عليه السلام) بأسلوبه هذا يكون قد ابتعد عن الأسلوب الصدامي الحاد، وعن الظهور بمظهر من يريد أن يفرض أحكامه وتوجيهاته من موقع الآمر والزاجر، والمتسلط المهيمن القاهر.

ولكن المازندراني الخواجوئي قد أشار إلى أن لهذا التعليم منحى آخر، حيث قال: «أو يكون هذا من باب تعليمهم الأمة والرعية كيفية الطاعة، والعبادة والخضوع والخشوع»(1).

أي أنه (عليه السلام) يريد أن يجسد لهم من نفسه الأسوة والقدوة الصالحة، ليتعلموا ذلك منه.

4ـ التكليف الصواب، والواقع الخطأ:

وثمة إجابة رابعة قد لا يستسيغها البعض، لا سيما إذا

ــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مفتاح الفلاح ص129 وراجع ص226.

/صفحة 36/

لم يتابعوا حديثنا هذا إلى نهايته، لتتضح لهم بعض اللمحات والخصوصيات، التي تفيد في تركيز الفكرة، وجلاء الصورة، ونلخص هذه الإجابة على النحو التالي:

 إن المعصوم ـ النبي أو الإمام ـ قد يطلع على الواقع من طريق عادي، كمعرفته بسرقة السارق، بواسطة الشهود، وبطهارة الجبن مثلاً، وبحلية اللحم، لكونه مأخوذاً من يد المسلم، أو من سوق المسلمين، وكمعرفته بحياة زيد من الناس بواسطة إخبار الناس له بحياته.

وقد يطلع المعصوم على الواقع من طريق غير عادي، كالوحي للنبي (صلى الله عليه وآله)، وكإخبار النبي (صلى الله عليه وآله) للأئمة ببعض الأمور والوقائع الغيبية.

وما يكون التعامل مع الناس على أساسه ومن خلاله هو النوع الأول. فيقطع المعصوم يد السارق استناداً إلى شهادة عدلين، ويجلد شارب الخمر، ويجلد الزاني أو يرجمه، … استناداً إلى الشهود أو إلى الإقرار من

/صفحة 37/

الفاعل. ويحكم بملكية زيد لشيء بعينه استناداً إلى قاعدة اليد، ويلتزم ويُلزم غيره بالطهارة، وبذكاة اللحم، استناداً إلى سوق المسلمين، أو إلى حمل فعل المسلم على الصحة. أو أصالة الطهارة وما إلى ذلك.

فإن كان ثمة خطأ، فإنما جاء من الشاهدين، أو من الإقرار غير المطابق للواقع، وليس الخطأ من الحاكم والحكم، وعلى هذا الأساس نجد الرواية المعتبرة تحدثنا: أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال:

«إنما أقضي بينكم بالبينات والأيمان. وبعضكم الحن بحجته من بعض، فأيما رجلٍ قطعت له من مال أخيه شيئاً، فإنما قطعت قطعة من النار». أو ما هو قريب من هذا المضمون(1).

ــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وسائل الشيعة ج27 ص232 وفي هامشه عن الكافي ج7 ص414، وتهذيب الأحكام ص229 و252 ومعاني الأخبار ص279. وراجع: التفسير المنسوب للإمام العسكري (عليه السلام) ص 284والسنن الكبرى للبيهقي ج10 ص143 و149 وصحيح البخاري وصحيح مسلم.

/صفحة 38/

وقال عبد الله بن أبي رافع وهو يحكي لنا قصة التحكيم في صفين:

«حضرت أمير المؤمنين (عليه السلام)، وقد وجه أبا موسى الأشعري، وقال له: أحكم بكتاب الله، ولا تجاوزه.

فلما أدبر قال: كأني به وقد خدع.

قلت: يا أمير المؤمنين، فلم توجهه وأنت تعلم أنه مخدوع؟!

فقال: يا بني، لو عمل الله في خلقه بعلمه ما احتج عليهم بالرسل»(1).

فالعمل إذن.. لا بد أن يكون وفق الشواهد والدلائل الظاهرية كما ذكرنا.

شواهد من الواقع:

ولأجل أن المعصوم إنما يتصرف ويتعامل مع الناس على أساس هذا العلم الواصل إليه بالطرق المألوفة التي

ــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مناقب أل أبي طالب ج2 ص261.

/صفحة 39/

هي حجة ودليل، نجد النبي (صلى الله عليه وآله) يرسل خالد بن الوليد إلى بني جذيمة، فيرتكب خالد جريمته النكراء في حقهم، ويقتل بعضهم، ويضطر النبي (صلى الله عليه وآله) إلى أن يَدِيَهُم ويعوَّضهم عما أخذ منهم، وكان علي (عليه السلام) هو الذي تولى إيصال ذلك إليهم. في قصة معروفة.

ولكنه (عليه السلام) لا يعاقب خالداً ومن معه، ربما لأنهم كانوا يثيرون ما يوجب الشبهة في كون ارتكابهم للجريمة قد جاء عن سابق علم وإصرار. ومن المعلوم أن الحدود تدرأ بالشبهات.

ومن هذا القبيل أيضاً إرسال النبي (صلى الله عليه وآله) الوليد بن عقبة إلى بني المصطلق. وما كان منه في حقهم، حيث تسبب في تعرضهم للكارثة، فنـزلت في حقه الآية الكريمة: (يا أيها الذين آمنوا، إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة ؛ فتصبحوا على ما فعلتم نادمين)(1).

ــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الحجرات، الآية 6.

/صفحة 40/

وقد جعل النبي (صلى الله عليه وآله) في حرب أحد أناساً على فتحة في الجبل ليحفظوها من تسلُّل المشركين منها؛ فتركوا مراكزهم، وسنحت الفرصة للأعداء، فتسللوا منها، وأوقعوا بالمسلمين.

وقد استكتب النبي (صلى الله عليه وآله) عبد الله بن سعد بن أبي سرح، ثم ارتد وذهب إلى مكة، وجعل يزعم أنه كان يغير في ألفاظ القرآن حين يلقيها إليه النبي ليكتبها، فبدل أن يكتب: غفور رحيم، كان يكتب عزيز حكيم مثلاً.

ثم إنه (صلى الله عليه وآله)قد أمر عمرو بن العاص على بعض السرايا، واستعمل أبا سفيان على بعض الصدقات، رغم معرفته بهما.

وقد ولى علي (عليه السلام) مصقلة بن هبيرة، ففر إلى معاوية في قضية أموال طالبه بها ليعيدها إلى بيت المال.

وولى الأشعت بن قيس آذربايجان، ولم يكن ليخفى عليه أمر الأشعت ولا حقيقة نواياه.

/صفحة 41/

وولى الإمام الحسن (عليه السلام) عبيد الله بن عباس، وغيره، فانحاز إلى معاوية في مقابل حفنة من المال.

وقد كان علي بن أبي حمزة البطائني من وكلاء الإمام الكاظم (عليه السلام)، فلما توفي (عليه السلام) وكان بيده شيء منه، ادعى الوقف عليه طمعاً بما في يده، وكان هو المنشأ للفرقة التي تسمى بالواقفة. إلى غير ذلك مما هو كثير وكثير جداً لا حاجة إلى تتبعه واستقصائه.

فكل ما تقدم يدل على أن النبي (صلى الله عليه وآله) أو الإمام (عليه السلام) حين ولى هذا أو ذاك، أو جعله وكيلاً له، أو أرسله في مهمة، أو ما إلى ذلك، فإنما كان يعمل بوظيفته، وتكليفه وفق ما انتهى إليه علمه بواسطة ما توافر لديه من أدلة وشهادات أمره الله بالعمل على وفقها. أو استند إلى حسن الظاهر، الذي لا بد من العمل على وفقه، حيث لا يوجد ما ينقضه ويخالفه.

فهو (عليه السلام) لم يخطئ في عمله، لا عمداً ولا سهواً. بل الذي أخطأ هو ذلك الدليل، وتلك الشهادة.

/صفحة 42/

وليس هو (عليه السلام) مسؤولاً عن ذلك.

نعم، لو جاء الناس إليه أو بعضهم، ونقضوا له ما أدت إليه تلك الشهادة، أو الدلالة، وبطل تأثيرها، ولم تعد دليلاً معتبراً، وارتفع التكليف بالعمل بموجبها، فإن هذا النقض يكون في محله، وهو محبوب ومطلوب لله جل وعلا.

فلو أن الناس جاؤوا إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قبل أن يرسل الوليد بن عقبة، أو خالد بن الوليد مثلاً، وأطلعوه على واقع هذين الرجلين، وحقيقة نواياهما، لم يجز له (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ والحالة هذه ـ أن يرسلهما في المهمة التي حصل فيها ما حصل، وذلك لأن حسن الظاهر لهما قد بطل أثره، وتبدل التكليف، وصار من الواجب ترتيب آثار الفسق الذي ثبت بإخبار الناس لرسول الله به من باب النصيحة للأمة وللأئمة، والنصيحة واجبة على الناس كلهم كما هو معلوم.

/صفحة 43/

وهكذا الحال بالنسبة لسائر الموارد، كل مورد بحسبه.

فالنصيحة من الناس للإمام، وللنبي إنما هي بإعلامه بالأمر الذي لم يكن مكلفاً بالتحري عنه، ولا كان ملزماً بالعمل على وفقه، رغم أن المعصوم قد يكون عارفاً بالحقيقة، ولكن من طريق غير عادي، كالوحي أو غيره.

ولكن العلم عن هذا الطريق غير العادي لا يلزم النبي (صلى الله عليه وآله)، أو الإمام (عليه السلام) بالعمل على وفق المعلوم، فلو حلف المدعي كاذباً، أو شهدت البينة بخلاف الواقع، وعلم (صلى الله عليه وآله) بهذا الخلاف من طريق الوحي، فلا يحكم بعلمه، بل يحكم وفق البينة، أو اليمين.

ولعل ذلك يرجع إلى أن في ذلك صوناً لمستقبل الأمة، وحفظاً لها من أن يتخذ الظالمون والطواغيت، وأصحاب الأهواء ذلك ذريعة إلى توجيه ضرباتهم القاتلة إلى قوى الإيمان والخير، والتنكيل بهم، وذلك بحجة

/صفحة 44/

أنهم قد عرفوا بطرقهم الخاصة غير العادية بما لم يعرف به الآخرون.

وبذلك نعرف السبب في أن الرؤيا في المنام غير قابلة للاعتماد، وكذلك دعوى ملاقاة الإمام الحجة المنتظر (عليه السلام)، والأخذ منه مباشرة. فضلاً عن العلوم المزعومة التي قد تنسب إلى الجن، أو السحر، أو ما إلى ذلك.

هذا، وقد أشارت الروايات إلى أن عمر بن الخطاب، قد حاول أن ينتزع اعترافاً من الصحابة أو من بعضهم بأن له أن يعمل بعلمه، فواجهه علي (عليه السلام) وابن عوف أو أحدهما برفض ذلك منه.

ويفصل البعض هذه القضية فيقول: روي أن عمر كان يعسُّ ذات ليلة بالمدينة فلما أصبح قال للناس: أرأيتم لو أن إماماً رأى رجلاً وامرأة على فاحشة فأقام عليهما الحد ما كنتم فاعلين؟!. قالوا: إنما أنت إمام. فقال علي بن أبي طالب: ليس ذلك لك، إذن يقام عليك الحد؛ إن

/صفحة 45/

الله لم يأمن على هذا الأمر أقل من أربعة شهود(1).

ثم تركهم ما شاء الله أن يتركهم. ثم سألهم، فقال القوم مثل مقالتهم الأولى، وقال علي مثل مقالته الأولى(2).

نتيجة ما تقدم:

إذن، فليس ثمة ما يمنع من أن يطلب أمير المؤمنين (عليه السلام) من أصحابه أن يخبروه بالواقع الذي يعرفونه، وأن يبطلوا الشهادات أو الأدلة التي لو لم يظهر خلافها لكان عليه أن يبادر إلى العمل بمضمونها.

فتكون تلك المبادرات منهم سبباً في إسقاطها عن الاعتبار وعن الحجية، لأنه (عليه السلام) مكلف بالعمل وفق تلك الأدلة، إلى أن يظهر خلافها.

ــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) راجع: السنن الكبرى للبيهقي ج10 ص144 والمصنف لعبد الرزاق ج8 ص340.

(2) الفتوحات الإسلامية [للسيد زيني دحلان] ج2 ص466 وراجع: الاستغاثة ص92 و93 فأنه قد ذكر ذلك في قضية أخرى وراجع: كنز العمال ج5 ص457.

/صفحة 46/

فهو (عليه السلام) يدعو أصحابه ويريد منهم أن يرصدوا الواقع من أجل أن يحفظوه. وحفظ الواقع بهذه الطريقة، لا يوجب خللاً في عصمته عليه الصلاة والسلام، كما أنه لا يوجب خللاً في عصمة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).

5ـ ضعف سند الرواية:

وبعد ما تقدم نقول:

إن الإجابات المتقدمة كانت مبنية على أساس أن يكون سند هذه الرواية صحيحاً، أو معتبراً، مع أن الأمر ليس كذلك. فقد قال المجلسي عن هذا الحديث:

«ضعيف بعبد الله بن الحارث. وأحمد بن محمد معطوف على علي بن الحسن، وهو العاصمي. والتيمي هو ابن فضال. وقل من تفطن لذلك»(1).

ــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مرآة العقول ج26 ص517.

/صفحة 47/

6ـ الثوابت هي المرجع:

ولنفترض جدلاً: أن جميع ما تقدم لم يستطع أن يقنعنا، ولم يحل مشكلة الشرح اللفظي لكلامه (عليه السلام)، فإننا نقول:

إن ما ذكرناه فيما تقدم، وفيه ما هو القوي في ظهوره ودلالته، يمنع من الركون إلى مقولة: أن علياً يخطئ بالفعل، استناداً إلى تلك العبارة المنقولة عنه: ما أنا ـ في نفسي ـ بفوق أن أخطئ؛ وذلك لأنه إذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال، فكيف إذا كان هذا الاحتمال هو الظاهر والمعقول، والمرضي والمقبول؟!

ومع صرف النظر عن ذلك كله. فإن عصمة النبي والإمام عن السهو والخطأ والنسيان، والذنب لهي من الثوابت الإيمانية، والعقيدية التي قامت عليها الأدلة القاطعة والبراهين الساطعة من العقل والشرع(1) خصوصاً

ــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) راجع كتاب: التنبيه بالمعلوم من البرهان على تنزيه المعصوم عن السهو والنسيان. وراجع عبقات الأنوار ج2 ص319.

/صفحة 48/

آية التطهير، وقوله (صلى الله عليه وآله): علي مع الحق والحق مع علي(1)، فلا بد ـ مع وجود الشبهة ـ من الرجوع إلى هذه الثوابت، والاحتكام إليها، ثم الرد والقبول على أساسها.

فإذا كانت كلمة أمير المؤمنين (عليه السلام) ضعيفة السند، متشابهة الدلالة فما علينا، إذا توقفنا عن قبولها، ثم نرد علمها إلى أهلها، ملامة أو جناح، فإن الحق أحق

ــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) راجع: دلائل الصدق ج3 ص303 وشرح النهج للمعتزلي ج18 ص72 وعبقات الأنوار ج2 ص324 وعن السندي في: دراسات اللبيب ص233 وكشف الغمة ج2 ص35 وج1 ص141 ـ 146 والجمل ص36 وتاريخ بغداد ج14 ص321 ومستدرك الحاكم ج3 ص119 و124 وتلخيص المستدرك للذهبي [مطبوع بهامشه] وربيع الأبرار ج1 ص828 و829 ومجمع الزوائد ج7 ص234 ونزل الأبرار ص56 وفي هامشه عنه وعن كنوز الحقائق ص65 وعن كنز العمال ج6 ص157 وملحقات إحقاق الحق ج5 ص77 و28 و43 و623 ـ 638 وج16 ص384 ـ 397 وج4 ص 27 عن مصادر كثيرة.

/صفحة 49/

أن يتبع. مع أننا قد ذكرنا ما يرفع كل شبهة، ويزيل كل ريب في دلالتها.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

طباعة  ||  أخبر صديقك  ||  إضافة تعليق  ||  التاريخ : 2014/02/06  ||  القرّاء : 3967






البحث في الموقع


  

جديد الموقع



 مختصر مفيد (المجموعه الحادية والعشرون)

 مختصر مفيد المجموعه العشرون

 مختصر مفيد المجموعة التاسعة عشر

 اسئلة وردتنا

 ابن الزبير يشرب دم الرسول (ص)

ملفات منوعة



 ما المقصود من أن الله شاكر؟!

 لا أخطاء في القرآن .

 ظاهرة القارونية من أين؟! إلى أين؟!

 معنى البداء لغة واصطلاحا

 شرح وتفسير بعض الأحاديث..

إحصاءات

  • الأقسام الرئيسية 12

  • الأقسام الفرعية 61

  • عدد المواضيع 666

  • التصفحات 1703359

  • التاريخ 25/02/2018 - 17:27



تصميم، برمجة وإستضافة: الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net